صديق الحسيني القنوجي البخاري
132
فتح البيان في مقاصد القرآن
المراد بخرق الأرض نقبها لا قطعها بالمسافة ، وقال الأزهري : خرقها قطعها قال النحاس : وهذا بين كأنه مأخوذ من الخرق وهو الفتحة الواسعة ، ويقال فلان أخرق من فلان أي أكثر سفرا . وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أي ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم جثتك حاملا لك على الكبر والاختيال فلا قوة لك حتى تخرق الأرض بالمشي عليها . ولا عظم في بدنك حتى تطاول الجبال وتساويها بكبرك ، فما الحامل لك على ما أنت فيه وأنت أحقر وأصغر من كل واحد من الجمادين ، فكيف يليق بك الكبر . كُلُّ ذلِكَ أي جميع ما تقدم ذكره من الأوامر والنواهي الخمس والعشرين أو ما نهى عنه فقط من قوله ولا تقف ولا تمش كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ على إضافة سيىء إلى الضمير ، ويؤيد هذه القراءة قوله : مَكْرُوهاً فإن السبي هو المكروه ويؤيدها أيضا قراءة أبيّ كان سيئآته . وقرأ نافع وغيره سيئة على أنها واحدة السيئات وانتصابها على خبرية كان ومكروها خبر ثان لكان أو بدل من سيئه ، ورجح أبو علي الفارسي البدل ، وقد قيل في توجيهه بغير هذا مما فيه تعسف لا يخفى ، قال الزجاج والإضافة أحسن لأن ما تقدم من الآيات فيها سيىء وحسن فسيئه المكروه ويقوي ذلك التذكير في المكروه . ومن قرأ بالتنوين جعل كُلُّ ذلِكَ إحاطة بالمنهى عنه دون الحسن ، والمعنى كل ما نهى اللّه عنه كان سيئة وكان مكروها ، والمكروه على هذا بدل من السيئة وليس بنعت ، والمراد بالمكروه عند اللّه هو الذي يبغضه ولا يرضاه لا إنه غير مراد مطلقا لقيام الأدلة القاطعة على أن الأشياء واقعة بإرادته سبحانه . وذكر مطلق الكراهة مع أن في الأشياء المتقدمة ما هو من الكبائر إشعارا بأن مجرد الكراهة عنده تعالى يوجب انزجار السامع واجتنابه لذلك . والحاصل أن في الخصال المتقدمة ما هو حسن وهو المأمور به ، وما مكروه وهو المنهيّ عنه ، فعلى قراءة الإضافة تكون الإشارة بقوله كُلُّ ذلِكَ إلى جميع الخصال ، حسنها ومكروهها ، ثم الإخبار بأن ما هو سيىء من هذه الأشياء هو المنهي عنه عند اللّه ، وعلى قراءة الأفراد تكون الإشارة إلى المنهيات ثم الأخبار عن هذه المنهيات بأنها سيئة مكروهة عند اللّه . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 39 إلى 44 ] ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ( 42 ) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 )